ابن الجوزي
238
صفة الصفوة
قلبا طيبا حتى قلت : إن كان أهل الجنة بهذا القلب الذي لي فهم واللّه في شيء طيّب ، وما كنت آنس بكلام الناس ، فخرجت يوما من باب قلمية « 1 » إلى صهريج « 2 » يعرف بالمدنف فجلست عنده فإذا أنا بفتى قد أقبل من ناحية لامش « 3 » يريد طرسوس وقد بقي معي قطيعات من ثمن الحطب الذي كنت أجيء به من الجبل فقلت : أنا قد قنعت بهذا الخبّازي ، أعطي هذه القطع هذا الفقير إذا دخل طرسوس اشترى بها شيئا وأكله ، فلما دنا مني أدخلت يدي إلى جيبي حتى أخرج الخرقة فإذا أنا بالفقير قد حرّك شفتيه وإذا كلّ ما حولي من الأرض ذهب يتّقد حتى كاد يخطف بصري ، ولبسني منه هيبة فجاز ولم أسلّم عليه من هيبته . قال الشيخ أبو بكر : وزادني أبو الفرج بن أبان في هذه الحكاية قال : فقلت له : فرأيته بعد ذلك ؟ فقال : نعم ، خرجت يوما خارج طرسوس إذا بالفتى جالس تحت برج من الأبرجة وبين يديه ركوة فيها ماء فسلّمت عليه ثم استدعيت منه موعظة فمدّ رجله فقلب الماء ، ثم قال لي : كثرة الكلام تنشّف الحسنات كما أنشفت الأرض هذا الماء . قم يكفيك . 808 - عابد آخر عليّ بن الحسن بن موسى قال : قال رجل : لأمتحننّ أهل البلاء . قال : فدخلت على رجل بطرسوس وقد أكلت الآكلة أطرافه . فقلت له : كيف أصبحت ؟ قال : أصبحت واللّه وكلّ عرق وكلّ عضو يألم على حدته من الوجع ، وإنّ ذلك لبعين اللّه أحبّه إليّ أحبّه إلى اللّه ، وما قدر ما أخذ ربي مني ؟ وددت أنّ ربّي قطع مني الأعضاء التي اكتسبت بها الإثم ، وأنه لم يبق مني إلا لساني يكون له ذاكرا . قال : فقال له رجل : متى بدأت بك هذه العلة ؟ فقال : الخلق كلهم عبيد اللّه وعياله ، فإذا نزلت بالعباد علة فالشكوى إلى اللّه ليس يشتكى إلى العباد .
--> ( 1 ) هي كورة من بلاد الروم قرب طرسوس . ( 2 ) الصهريج : حوض الماء . ( 3 ) لامش : من قرى فرغانة .